سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

72

رسائل في الفلسفة والعرفان

فلمّا انتهت التجلّي إلى عالم الناسوت ، وقد كنت تعلم أنّ التنزّل ليس إلّاعبارة عن تنقّل الوجود في الأطوار ، ولست تدرك منه إلّاالحركة ، ولكن لست تعلم كيفيّتها ، والباطن حقيقة الظاهر ، والظاهر تجلّيه ، فبرزت جميع المعنويات في الحسّيّات في هذا العالم الحسّي على ما يقتضيه مراتب التجلّي ، فكانت الحركة اللاكيفية حركة كيفيّة ، فبرز هذا العالم شيئاً واحداً بسيطاً ليس فيه تجزّؤ ولا تركيب ، وهو الذي يسمّونه بالهيولى ، ثمّ بواسطة هذه الحركة اللازمة بالترتيب حصل في ذلك البسيط جزر ومدّ ، وفتق بعد رتق ، فمنه اللطيف والكثيف والمتفاوت في المرتبتين ، ووقعت كلُّ كرة حيث أدّت بها الحركة كيف كانت ولم يزل هذا العالم متحرّكاً بهذه الحركة ، لكنا لا ندرك إلّاحركة الجزئيّات الحاضرة بين أيدينا لأنّا لسنا كلّ العالم حتّى ندرك حركته الكلّيّة فالحركة واحدة ونراها متكثّرة بتكثّر [ 1 ] أجزاء المتحرّك ، ومن ثَمّ لا تجد إلّامتحرّكاً ، ولا حادثاً إلّاعن حركة ؛ وذلك لعدم توقّف الفيض في لحظة من اللحظات لعموم الجود ، وكان العالم في التّرقّي على حسب تقادمه في الوجود ، وهذا من مقتضيات الترتيب ، وقد علمت ما يحتاج إليه العالم في نظامه العامّ من النفوس الكلّية . أما النظام الخصوصي لكلّ ذرّة - أي المبدأ القريب لهذا - إنّما هو بالنفوس الجزئيّة المنبعثة عن النفوس الكلّيّة ، فلا تزال الكلّيّة في تربية الكل ، والجزئية في تربية الجزء ، حتى يقضي اللَّه أمراً كان مفعولًا . ولعلّك على ماتحقّقت من لزوم الترتيب في عالم التركيب تقول : إنّ أوّل ما ظهر في هذه الكرة النباتات على تفاوتها في الدرجات من متناقص الخلقة جدّاً ، ثمّ يتكامل شيئاً فشيئاً حتّى انتهت إلى غايتها ، ثمّ الحيوانات كذلك ، ثم نتيجة الكلّ وغاية منتهى السير هو الإنسان ، ثم كذلك بتفاوت مراتبه في الوجود من غاية التوحّش إلى أدنى منها ، ثمّ وثمّ ، ولا يزال هكذا ، وقد نطق بهذا كتابنا ، وأشار إليه في قوله : ( ؤَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ) فهذا قليل تستغني به عن كثير ، وإجمال يغنيك عن لبس التفاصيل .

--> [ 1 ] في المخطوطة « بتكثير » .